أبي منصور الماتريدي
410
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
نُخْلِفُهُ [ طه : 58 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَحَشَرَ فَنادى . فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى : ذلك اللعين قد علم أنه ليس برب السماء والأرض ، ولكن قد اتخذ لقومه أصناما فأمر العوام منهم أن يعبدوها ؛ ليقربهم ذلك إليه « 1 » ، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه ، وأمر الخواص منهم بعبادته ، فسمى نفسه : أعلى الأرباب ؛ لهذا . وقوله : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى : منهم من يقول « 2 » : أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا : الكلمة الأولى : قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] ، والكلمة الثانية : قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى . ومنهم من يقول : أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق . ومنهم من يقول « 3 » : أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة ، فغرقه في الدنيا ، وعذب روحه بعد مماته بقوله : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] ، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] ؛ فاتصلت « 4 » عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى : وفي ذلك كله عبرة ، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب ، ويخاف عقوبة الله تعالى . وقوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ : جائز أن يكون هذا صلة قوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [ النازعات : 6 ] ؛ فيكون في قوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . وفي قوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً تقرير له أيضا . ثم قوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يحتمل أوجها : أحدها : أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات ، وقد أقروا أنه خالق السماء ، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء ، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم ، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه ،
--> ( 1 ) في أ : عليه . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 36263 ، 36264 ) وهو قول مجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، وغيرهم . ( 3 ) قاله الحسن أخرجه ابن جرير ( 36274 ، 36275 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 513 ) ، وهو قول قتادة أيضا . ( 4 ) في ب : فانقلب .